بسم الله الرحمن الرحيم

من المستقر في فطرة الناس ذم الظالم، وأن الظلم مكروه فعله وفاعله، إلا أن من يقرأ شعر الجاهلية يجد العديد من مواضع المدح المتعلّقة بالظلم. وأنا، على قليل باعي في الشعر، أردت التحدث عن المسألة بفهمي، ولعلّ من هو أدرى منّي يصحح لي إن أخطأت، أو لعلّ كلامي يدفع شخصاً أعلم منّي فيهديني إلى ما جهلت.

تعريف الظلم

بدايةً ننظر في معنى الظلم ووروده اصطلاحاً حتى نتيقّن من قبحه. هو لغةً الجور، مجاوزة الحد، الميل عن القصد وأخذ حق الغير (“موسوعة الأخلاق والسلوك”) وفي الاصطلاح هو “وضع الشيء غير موضعه” كما عند أكثر أهل اللغة (تاج العروس). أما في القرآن الكريم فأتى بعدة معانٍ جميعها مذموم:

  • “إن الشرك لظلمٌ عظيم” (لقمان، آية 13) فكان قرين الشرك
  • “وما اعتدينا إنّا إذاً لظالمون” (المائدة، 107) فكان قرين العدوان
  • “إن الإنسان لظلوم كفّار” (إبراهيم، 34) فكان قرين الكفر

كما نفى ربّنا الظلم عن نفسه في القرآن والسنة، كما ورد في سورة فصلت آية 46 “وما ربك بظلّامٍ للعبيد” ، وفي الحديث الصحيح: “يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي”. والناظر في المعاجم سيجد العديد من معانِ وتصاريف مادة “ظلم” فهي من شائع كلام العرب، غير أنه يعقل النفي التام للظلم عن رب العالمين لو كان فيه حسنةً على أي وجهٍ كان. هذا وعقيدة أهل السنة في نفي الصفات هي إثبات الكمال لا النفي الصِّرف، والصرف أي النفي الذي لا يتضمن إلا ظاهره، فنفي الظلم هنا يتضمن إثبات العدل أيضاً، كما أن نفي النوم عن الله يقتضي نفي حاجته إليه لا أنه فقط لا ينام (“تذكرة المؤتسي” وتجد المعنى عند غيره أيضاً).

مواضع ذكر الظلم في الشعر الجاهلي

ذكر الظلم في مواضع عديدة وفي أشعارٍ مشهورة، بل في المعلقات نفسها. قال عمرو بن كلثوم:

نُسمَّى ظالمين وما ظلمنا … ولكنَّا سَنبدأ ظالمينا

ويروى (بُغاة ظالمين وما ظلمنا). غير أن هذا البيت ليس عند الزوزني في شرحه وفي صحّته جدل. وقال زهير بن أبي سلمى في موضعين من معلقته:

لدى أسدٍ شاكِ السلاح مُقذّف … له لبدٌ أظفاره لم تقلم
جريءٍ متى يُظلم يُعاقب بظُلمه …. سريعاً وإلا يُبدَ بالظُلم يَظلم
—
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه … يُهدّم ومن لا يَظلم الناسَ يُظلم

والذود هو الدفاع بمصطلح يومنا. فهذا عند الجاهليّين، وقال المتنبي:

والظلم من شيم النفوس فإن … تجد ذا عفة فلعلّه لا يَظلم

فجعله من شيم النفوس. وحتى أن نفي الظلم كان يستعمل للهجاء، كما قال الحارثي النجاشي في بني عجلان:

قُبيِّلَة لا يغدرون بذمَّة … ولا يظلمون النَّاسَ حبَّة خَردلِ
ولا يرِدون الماءَ إلاَّ عشيَّة … إذا صدرَ الوُرَّادُ عن كلِّ منهلِ

وقبيّلة كما ترى تصغير قبيلة، والتأخر في ورود الماء لعدم القدرة على مزاحمة الناس كما ورد في قصة نبي الله موسى عليه السلام “لا نسقي حتى يصدر الرعاء” (القصص، آية 23). فهذا إذاً اقترانٌ لعدم الظلم بالضعف. وفي هذه الأبيات يُذكر أن بني عجلان اشتكوا قائلها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال “ليتَ الخطَّاب وأهل بيته وجميع بني عديّ بن كعب بهذه الصفة، لا يغدرون ولا يظلمون، ما أرى بأساً” وهو أعلم بالشعر وبمراده، وفي روايةٍ أنه سجن الشاعر أو حدّه (1 و 2)، والله أعلم.

ويُقابل هذا اقتران الظلم بالعز، فمن أمثال العرب المشهورة “من عزّ بزّ”. قالت الخنساء رضي الله عنها في مقتل بنيها:

وأفنى رجالي فبادوا معا … فغودر قلبي بهم مستفزا
كأن لم يكونوا حمى يتقى … إذ الناس إذ ذاك من عز بزا

وقول عمرو بن لحي:

أرى القبائل في غور وفي نجد … من عز بز فسلاب ومسلوب

والبزّ هو السَّلب الجائر، كما ورد في قول الشنفرى1.في نسبة الأبيات خلاف بيّنه محمود محمد شاكر في “نمط صعب ونمط مخيف”، والظاهر في المسألة أنها لابن أخت تأبّط شرّاً، والذي هو على الأرجح الشنفرى.:

بزَّني الدهر، وكان غشوماً … بأبيٍّ جاره ما يُذل

قال محمود محمد شاكر رحمه الله في البيت “وأحب أن يصف الدهر صفةً تلائم فظاظته به وغلظته، فقال “وكان غشوماً”، والغشوم: الظالم الغاصب الذي يخبط الناس، ويأخذ كل ما قدر عليه” (نمط صعب ونمط مخيف، صفحة 155)، فالاقتران بين البزّ والظلم تارة وبين البزّ والعز تارةً واضح، والأمثلة من الشعر أكثر ممّا أحصيت ولكن ما ذكرته يكفي.

الخلاصة

يظهر لي أن مدح الظلم هو من باب القدرة عليه لا من باب فعله بالضرورة، فلا يقدر عليه إلا القوي العزيز لغلبته على غيره، وهذا لوجوه. الوجه الأول أن من عادة الشعراء المبالغة وإدعاء الأمر ولو لم يكن حقيقةً، ولا حاجة لإيراد الأمثلة من الشعر فقد وصفهم ربنا بذلك “وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ” (الشعراء، آية 224-226). لذا مجرد ذكر التحكم بالغير لدرجة ظلمهم في الشعر لا يعني أنه كان فعلاً معتاداً يُعاب عليه بالضرورة.

أما الوجه الثاني هو أن نفي الظلم عن رب العالمين عند أهل السنة نفيٌ للفعل لا للقُدرة، فلا يُقال أن الله غير قادرٌ على الظلم وإلا كان ذلك نقصاً في قدرته تعالى الله عن ذلك. قال ابن تيمية رحمه الله في “الرسالة الأكملية”: “وإما أن يقال: هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه، إذ كان العدل والرحمة من لوازم ذاته، فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه على هذا القول، فالذي يفعله لحكمة اقتضت ذلك، كما أن الذي يمتنع من فعله لحكمة تقتضي تنزيهه عنه”، والشواهد على هذا المعنى من كلام علماء أهل السنة كثيرة. هذا يُفيد أن القدرة على الظلم ذاتها ليست مَعيبة.

والوجه الثالث أن مدح الشيء لا لذاته ولكن لمقتضاه شائعٌ فوق الحصر في كلام العرب وشعرها، قد يكون لشيءٍ لا مدح فيه لذاته وقد يكون لشيءٍ ظاهره مَعيب كحال كلامنا عن الظلم. قال امرؤ القيس في معلّقته يمدح إحداهن:

ويضحي فتيت المسك فوق فراشها … نؤوم الضحى، لم تنتطق عن تفضل

والضحى وقتٌ بين الفجر والظهيرة، أي أنّه وقت عمل لا وقت نوم، بل يكون النوم فيه كسلاً مذموماً. بيد أن موضع المدح هو عدم حاجتها للعمل، وإلا لو كانت بحاجة لطلب القوت لما أمكنها نوم الضحى. قال الزوزني في شرحه: “وهي كثيرة النوم في وقت الضحى، ولا تشد وسطها بنطاق بعد لبسها ثوب المهنة، يريد أنها مخدومة منعَّمة تُخدم، ولا تَخدم، وتلخيص المعنى: أن فتات المسك يكثر على فراشها وأنها تكفى أمورها فلا تباشر عملًا بنفسها. وصفها بالدعة والنعمة وخفض العيش وأن لها من يخدمها ويكفيها أمورها.” فهذا مدحٌ لشيءٍ ظاهره مذموم كالظلم. وقيل أيضاً “بعيدة مهوى القرط” في مواضع عديدة (انظر مثلاً رسالة المنذر الأكبر إلى أنوشروان) كنايةً عن طول العنق، وقيل “عظيم رماد النار” كنايةً عن كثرة الشواء والقِرى (الضيافة)، وهي أشياء لا مدح فيها ولا ذم في ظاهرها.

والحق أنّي ظننت هذا ممّا كانت تعتاده العرب في حياتها قبل الإسلام من سلبٍ ونهب، تُغير تارةً ويُغار عليك تارة، ثم جاء الإسلام وأخرج الناس من ظلمٍ إلى عدل، وهذا محتمل. ومن المحتمل أن يكون وصف أهل الجاهلية بالظلم على ظاهره مُجحِفاً، وأنّه لم يكن فعلاً مستساغاً يتنافسون فيه كما يبدو من شعرهم. وقد يكون الأرجح شيئاً بين هذا وذاك، والله أعلم.