بسم الله الرحمن الرحيم

من المواضيع المثيرة التي قرأت عنها مؤخراً هي كيف غيّرت التطورات في الفيزياء فهمنا لما يمكن فعله بالحواسيب. لنقل مثلاً أن يوماً عند الثقب الأسود يساوي سنةً على الأرض، وتريد تشغيل برنامجٍ يحتاج سنةً حتى ينتهي، هل يمكنك الانتظار يوماً عند الثقب الأسود بدل سنةٍ على الأرض؟ هذا موضوع هذه التدوينة باختصار، وقبل أن نبدأ سأشرح بعض المفاهم الأساسية التي نحتاجها. هناك نقطتان التزمت بهما أثناء الكتابة:

  • لن أخوض في النظريات المعقدة للفيزياء النسبية أو المفاهيم المتقدمة في الحوسبة
  • سأقتصر على الأفكار الممكنة نظرياً وإلى حدٍّ ما تطبيقياً، أي لا وجود للخيال العلمي هنا

هذه التدوينة إذاً مناسبة لأي شخص حتى لو لم يكن مختصاً، والمختص سيجد المصطلحات والمراجع التي يحتاجها إن أراد الاستزادة. ربما تظن أن الفكرة مستحيلة، لكن ستتفاجأ من مدى إمكانيّتها!

مقدمة

أي برنامج يقوم به الحاسوب يمكن تقسيمه إلى عمليات بسيطة تحدث في كل وحدة زمن. مثلاً جمع رقمين كل ثانية، أو ضرب رقمين كل ثانيتين، نسخ بايت كل ثانية، إلخ. تعريف البرامج حسب عدد العمليات يسمح لنا بتعريف البرامج التي يمكن إنجازها في وقتٍ معقول، وبرامج لا نهاية لها لأن عدد العمليات لن ينتهي أو عددها هائل (انظر “الحاسوبية”) . هكذا يمكننا تعريف المسائل التي يمكن للحاسوب الإجابة عليها والمسائل التي لا يمكن حسابها، لا لشيء إلا حدود الزمن. غير أن هذه النظريات وُضِعت في بداية القرن العشرين، قبل النظرية النسبية.

يمكن إثبات نسبية الوقت، أي أن الوقت يتقدم برتمٍ مختلف في أماكن مختلفة، بسهولة وباستعمال أفكار بسيطة الكل يعرفها. خذ هذا المثال: لنقل أنّك في قطارٍ يمشي بسرعةٍ ثابتة ووضعت مرآتين، واحدةً على الأرضية والأخرى على السقف، ثمّ أطلقت شعاع ضوء من الأولى للأخرى. احسب الوقت الذي يحتاجه الضوء لقطع هذه المسافة بساعتك، وأنا أنظر إليك من بعيد خارج القطار ولدي ساعتي. حسبة الوقت بديهية: $t=\frac{2d}{c}$، حيث d المسافة وc سرعة الضوء، لكن هل يتحرك الضوء من منظوري كما يتحرك من منظورك؟ من منظورك يقطع الضوء خطّاً مستقيماً، فالمرآتان متقابلتان طوال الدورة، أما من منظوري ستتحرك المرآة على السقف قليلاً بينما يقطع الضوء دورته، وإذاً حركة الضوء خطٌّ مائل لا مستقيم! هكذا، يقطع الضوء مسافةً أطول. إذا سلّمنا بأنّ سرعة الضوء الثابتة (وهذا ليس افتراضاً عبثيّاً بل من المتفق عليه)، ستقول أنت أن الدورة تحتاج ثانية واحدة مثلاً، بينما ستحتاج من منظوري ثانية ونصف مثلاً. إذاً، من منظوري، الزمن عندك أبطأ.

منظورك (من الداخل)

الساعة: 0.00 تكّة: 0

منظوري (من الخارج)

الساعة: 0.00 تكّة: 0
v/c = 0.80 γ = المسافة خارجاً / المسافة داخلاً = → الزمن داخل القطار أبطأ بعامل γ

بل يمكننا حسابة النسبة بين زمني وزمنك بسهولة إن استعملنا قانون فيثاغورس. لنقل أن المسافة التي يقطعها القطار لكل ثانية من منظوري هي المجاور، تساوي $v*t_i$ حيث $v$ سرعة القطار، ومسافة كل دورة من منظورك هو المقابل، يساوي $c * t_u$، والوتر هو المسافة المائلة التي يقطعها الضوء أي زمن كل دورة من منظوري، يساوي $c * t_i$. سنحصل على الآتي:

$$ (c * t_i)^2 + (v * t_i)^2 = (c * t_u)^2 \\ t_u = t_i * \sqrt{1 - \frac{v^2}{c^2}} \\ t_i = t_u * \frac{1}{\sqrt{1 - \frac{v^2}{c^2}}} = \gamma * t_u $$

ولأن المعامل $\gamma$ أكبر من 1 دائماً، سيمر عندي أكثر من ثانية لكل ثانية تمر عندك1. مثال القطار طرحه آينشتاين حوال عام 1917 بصورة مختلفة. ( Citation: , (). Relativity Train. Retrieved from https://sciencedemonstrations.fas.harvard.edu/presentations/relativity-train ) . على أن هذا المثال مبسّط، هناك تجارب عديدة من ناسا وغيرهم تثبت هذا المبدأ.

الحواسيب النسبية

يمكننا الآن الخوض في صلب موضوعنا، وأتوقع أن الفكرة بدأت تتشكّل في بالك قبل أن أشرحها. لنقل أنّنا هيّأنا بيئة حول الحاسوب مغايرة الزمن عن مكاننا، أي أن معامل مرور الزمن غاما $\gamma$ عند الحاسوب مختلف. لو كان هذا المعامل أصغر من 1 سيبدو عندنا كما لو أن الحاسوب أسرع من العادة، فالزمن عنده يمر أسرع. ماذا لو كانت غاما صفراً أو أقرب للصفر؟ عندها، حتى لو مر الدهر كلّه عند الحاسوب، لن يمرّ عندنا إلا زمنٌ معدود. هل يمكننا إذاً التحكم بهذا المعامل بحيث يصبح صفراً أو أقرب إلى الصفر؟

في مثال القطار كان اختلاف معامل الزمن يرجع إلى سرعة القطار، وهكذا يمكن زيادته أو تقليله بتغيير سرعة القطار نفسه. هذا أول اقتراح: وضع الحاسوب على مركبةٍ تجري بسرعة الضوء أو قريبه، غير أن هذا الاقتراح هش لأسباب واضحة. الاقتراح الآخر هو استعمال الجاذبية. الجاذبية تؤثر عكساً للسرعة: هي تبطّئ الزمن، لأسباب نحن بغنىً عن شرحها. هذه الفكرة نراها كل يوم لو لم تشعر، فالحواسيب على الأقمار الصناعية تعمل أسرع من الحواسيب الأرضية بحوالِ 38 مايكروثانية لضعف الجاذبية هناك ( Citation: , (). Relativity in the Global Positioning System. Living Reviews in Relativity, 6(1). 1. https://doi.org/10.12942/lrr-2003-1 ) . إذاً، بوجودنا في جسمٍ عالِ الجاذبية، تصبح غاما بيننا وبين الحاسوب أصغر من 1، والجسم الأقوى جاذبيةً في الكون هي الثقوب السوداء طبعاً! الخطة هي:

  1. نذهب في مركبتين فضائيّتين، واحدة لي وواحدة للحاسوب، إلى القرب من ثقبٍ أسود ضخم.
  2. تهبط مركبتي إلى الثقب الأسود تدريجيّاً. كلّما اقتربت من الثقب الأسود، تباطأ الزمن عندي، هكذا إلى ما يسمى “أفق الحدث” (Event Horizon). هناك يمكنني الانتظار زمناً محدوداً.
  3. الحاسوب يجري العمليات التي طلبتها أثناء هبوطي ويرسل لي النتيجة حالما ينتهي.
  4. إن كان الحاسوب بحاجة إلى مدة ليرسل لي النتيجة، أياً كان طولها، ستصل عندي في قدرٍ محدودٍ من الزمن لنقل قدره b.

بهذه الطريقة تصلني النتيجة حتى لو احتاج الحاسوب إلى الدهر كله. قد تقول أن في هذا مشكلةً واضحة، وهي أنني سأموت بفعل جاذبية الثقب الأسود، وفي هذا أنت محق! إذا افترضنا اختيار الثقب الأسود عبثاً. لكن، إن اخترنا الثقب الأسود الملائم، فلا مشكلة كما سنرى.

الثقوب السوداء الدوّارة

هناك عموماً أربع أنواع من الثقوب السوداء:

تدورلا تدور
مشحونةكير-نيومانرايسنر-نوردستروم
غير مشحونةكيرشفارتزشيلد

النوع الرابع، شفارتزشيلد، هو النوع الذي يتخّيله الناس عادةً عند الحديث عن الثقوب السوداء. الأنواع الأربعة ممكنة نظرياً، غير أنّنا لم نجد حتى الآن إلا على النوع الدوّار غير المشحون (كير)، ولا يُعتقد بوجود الأنواع الثلاث الأخرى. النوع الدوّار يكفينا بأية حال، فما نحاول الوصول إليه هو طريقة لتثبيت مكاني على بعد ثابتٍ من أفق الحديث بحيث تصلني رسائل الحاسوب ولا تفتك بي الجاذبية، يعني يلزمني ما يقاوم الجاذبية. أي دوران ينتج عنه قوة نسمّيها الطرد المركزي تلفظ المواد بعيداً عن محور الدوران، الذي هو في حالة الثقب الأسود نقطة وسطه أو نقطة الانفراد (Singularity). تشتدّ قوة الطرد باقترابنا إلى المنتصف، إلى أن تصل لحدٍّ تفوق فيه قوة الجاذبية. هكذا تنتج مساحتان داخل الثقب الأسود: (1) مساحة تغلب فيها قوة الجاذبية على الضوء، أي لا يمكن للمادة إلّا السقوط نحو المركز، و (2) مساحة تغلب فيها قوة الطرد، لذا يمكن للمادة التحرك بحرّيّة. نسمي أفق الحدث للمساحة الأولى بأفق الحدث الخارجي، وللمساحة الثانية بأفق الحدث الداخلي2. النسبة بين المساحتين تحكمها سرعة دوران الثقب الأسود. كلّما دار أسرع، زادت قوة الطرد، وبالتالي زادت المساحة الداخلية حيث تتحرك المادة للخارج لا للداخل. قد تتصور إذاً أنّه إذا وصلت سرعة الدوران حدّاً ما ستغلب قوة الطرد على الجاذبية في عموم الثقب الأسود، وهذا صحيح! في تلك الحالة لا وجود لأفق حدثٍ خارجي، ويمكن للمادة، خاصةً الضوء، الانبعاث من الثقب الأسود. هذا ما يسمّى الانفراد المجرد (Naked Singularity). بيد أنّه لا يُعتقد بوجودها لاعتبارات مختلفة مثل نظرية الحجب الكوني. لو وُجدت سيغيّر هذا فهمنا لأشياء كثيرة، ولو استطعت صنعها في مايكروويف يمكنك إرسال الإيميلات للماضي... . في النوع الثابت من الثقوب السوداء لا يوجد إلا المساحة الأولى.

إذاً نذهب إلى ثقبٍ أسود ضخم دوّار، من النوع الموجود في وسط المجرّات ( Citation: & , & (). Simulations of images of accretion discs around Kerr black holes relevant to M87*. Monthly Notices of the Royal Astronomical Society, 544(2). 2599–2613. https://doi.org/10.1093/mnras/staf1803 ; Citation: & , & (). Supermassive Black Holes. Retrieved from [https://arxiv.org/abs/astro-ph/0206222]() ) . هناك يمكنني النزول داخل أفق الحدث الخارجي والدوران حول الثقب الأسود دون الهبوط للأسفل مباشرةً بفضل دوران الثقب الأسود كما قلنا. يمكنني أيضاً التحكم بسرعة هبوطي ومساري حتى أمنح الحاسوب الوقت الكافي b لإرسال النتائج، ثمّ أهبط في أفق الحدث الداخلي.

رسم بياني مساحي للثقب الأسود الدوّار. $\gamma_p$ هي مساري فيه، وe هي لحظة هبوطي في أفق الحدث الخارجي، بينما b لحظة هبوطي في أفق الحدث الداخلي، ونقطة التفرد تصبح حلقةً بفعل قوة الطرد. مأخوذ من ( Citation: & , & (). Relativistic computers and the Turing barrier. Applied Mathematics and Computation, 178(1). 118–142. https://doi.org/10.1016/j.amc.2005.09.075 ) بتصرف.

بعض الاعتراضات

الدخول في الثقب الأسود يعرّضك لقوة جذب عالية

تأثير المد والجزر (ما يسمى أيضاً “التأثير المعكروني”) للثقب الأسود الضخم ضعيف نظراً لحجمه الشاسع. يمكنني عبور أفق الحدث الخارجي أو الداخلي لثقبٍ أسود كتلته $10^7$ مرات كتلة الشمس دون الشعور بتغيُّرٍ كبير أو محسوس في قوّة الجذب ( Citation: , (). Structure of the singularity inside a realistic rotating black hole. Physical Review Letters, 68(14). 2117–2120. https://doi.org/10.1103/PhysRevLett.68.2117 ) . هذه وأثقل منها موجودٌ كما قلنا.

حتى لو عشت لن تخرج من الثقب الأسود

هذا صحيح، فلا يمكن للمادة الخروج من أفق الحدث الخارجي. فكّر بالأمر كمقايضة: هل تقبل قضاء بقية عمرك داخل الثقب الأسود مقابل الحصول على إجابة لسؤال علمي؟ على مسألةٍ قضيت سنين تفكّر فيها؟ بعضهم قد يقبل ذلك. ربما تكون مسألةً أفنى عمره عليها بلا جواب. كما قلنا، نظرياً يمكنني للإنسان البقاء داخل الثقب الأسود للأبد دون خطر، بل يمكنك أخذ أهلك وقضاء بقية حياتك على متن السفينة الفضائية، متمتّعاً بالعلم الذي زوّدك إياه الحاسوب من خارج الثقب الأسود.

لا حاسوب يمكنه العمل للأبد

ربما، وربما نجد طريقةً لصنع آلة تداوي نفسها ونظامٍ ذكي يعتني بها. الآلات ذاتية التعافي مجالٌ بحثي نشيط، والذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة كما نرى، لذا لا أجد الأمر بعيداً عن الواقع.

خاتمة

هذا المجال البحثي يسمى الحواسيب الخارقة (Hypercomputers)، وهناك مقترحاتٌ أخرى لصنعها لا علاقة لها بالثقوب السوداء، غير أنّها أقل واقعيّةً من النموذج المذكور آنفاً. ما دفعني لكتابة هذه التدوينة هو هذا البحث الذي وجدته بالصدفة: Relativistic Computers and the Turing Barrier، وهو المرجع الأساسي للتدوينة. الموضوع استهواني لا لأنّني سأركب صاروخأ وأتوجّه إلى ثقبٍ أسود حاملاً أي لابتوب، ولا لأنّني سأحصل على هذه الحواسيب الخارقة قريباً، ولكن للتعلم عن الفيزياء والحواسيب. هناك أمورٌ كثيرة لم أتطرّق لها، كالاعتراضات النظرية الأخرى مثل نظرية الحجب\الرقابة الكونية (Cosmic Censorship)، أو التفاصيل النظرية للنسبية وفيزياء الثقوب السوداء.

آمل أن تكون التدوينة أثارت فضولك عن الموضوع، ومن التعبّد لله التفكّر في خلقه، والله أعلم.

المراجع

Chang & Kiang (2025)
& (). Simulations of images of accretion discs around Kerr black holes relevant to M87*. Monthly Notices of the Royal Astronomical Society, 544(2). 2599–2613. https://doi.org/10.1093/mnras/staf1803
Papaliolios (1971)
(). Relativity Train. Retrieved from https://sciencedemonstrations.fas.harvard.edu/presentations/relativity-train
Ashby (2003)
(). Relativity in the Global Positioning System. Living Reviews in Relativity, 6(1). 1. https://doi.org/10.12942/lrr-2003-1
Németi & Dávid (2006)
& (). Relativistic computers and the Turing barrier. Applied Mathematics and Computation, 178(1). 118–142. https://doi.org/10.1016/j.amc.2005.09.075
Ori (1992)
(). Structure of the singularity inside a realistic rotating black hole. Physical Review Letters, 68(14). 2117–2120. https://doi.org/10.1103/PhysRevLett.68.2117
Ferrarese & Merritt (2002)
& (). Supermassive Black Holes. Retrieved from [https://arxiv.org/abs/astro-ph/0206222]()